الفيض الكاشاني

130

أنوار الحكمة

القوابل لا يمكن أن يكون سببا لكون الفاعل في نفسه بحيث يمكن أن يصدر منه أفعال متكثّرة ، بل إنّما هو سبب لتعيّن كلّ فعل من الأفعال الممكنة الصدور لكلّ مادّة وتخصّص كلّ مادّة به دون غيره ، فإنّما هو منشأ اختلاف الأشخاص من نوع واحد - لا غير . وأيضا اختلاف استعدادات القوابل متأخّرة بحسب الزمان عن الجواهر الابداعيّة ، لحدوثها بسبب أوضاع وحركات جسمانيّة متأخّرة عن أجسام متحرّكة ، والعناصر لا يجوز أن تكون حادثة بعد الأفلاك زمانا لامتناع الخلإ ، واستحالة خلوّ المادة مدّة مديدة . وكذا الطبائع الحيوانيّة والنباتيّة من حيث نوعيّاتها ليست ممّا يتخلّف إفاضتها عن إفاضة العناصر ، لكونها غاية وجود العنصريّات ، وخصوصا نوع الإنسان الذي جاء زبدة العناصر وثمرة الأركان ؛ فلا يمكن أن يهمل وجوده مدّة عن وجود الأفلاك والعناصر . فوجود نوعيّة الإنسان ليس من جهة استعداده القابل ، بل من جهة إبداع المبدع الأول بواسطة بعض الوسائط العقليّة ، من الملائكة المقرّبين . فجنود اللّه العقلية كثيرة ، كثرة لا يعلم عددها إلّا هو ، كما قال سبحانه : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ 74 / 31 ] . نور [ الملائكة المقرّبون ] وإذ ليس للملائكة المقرّبين حجاب - لبراءتهم من الغواشي - فذواتهم ظاهرة لأنفسهم ، معقولة لهم ؛ وكذا ذوات بعضهم لبعض ؛ وبهم ظهور سائر الموجودات . فهم إذن أنوار مجرّدة وأشعّة إلهيّة وأضواء قاهرة ؛ وكلّهم أحياء ناطقون ، عالمون ، وعالمهم عالم القدرة ؛ وللعالي منهم قهر على السافل وإشراق وإحاطة ، وللسافل عشق إلى العالي ومحبّة له ومشاهدة من دون إحاطة ، لانقهاره عنه ، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [ 85 / 20 ] وهو القاهر فوقهم .